إبحث

 

مقالات
طباعة أرسل لصديق
ثالوث الفساد الاقتصادي البنيوي!

الكاتب : جواد البشيتي
التاريخ : 2009-09-01 12:47:35

 


هل نحن نتقدم اقتصاديا؟ وما معنى هذا التقدم؟وكيف نقيسه, ونستدل عليه؟

إذا كان الهدف هو أن تصل, في سيرك, إلى نقطة معينة فإن اثنين لا يختلفان في إجابتهما إذا ما كان السؤال "هل أنت تتقدم في خط سيرك؟", فـ "التقدم", في هذا المثال, ولجهة معناه, وطريقة قياسه, وقياسه, ليس بالأمر الذي يمكن أن يكون مدار خلاف بين اثنين.

في الاقتصاد, يختلف الأمر, ويختلف كثيرا, ويمكن (بل يجب) أن يكون محل خلاف; لأن المصلحة هي العين التي ترى هنا.

إذا كنت مقررا في الشأن الاقتصادي للمجتمع, فهل تقرر استعمال (أو شراء) الآلات المتطورة جدا أم الآلات الأقل تطورا؟

ليس من إجابة مطلقة عن هذا السؤال, فاختلاف وتضاد ونزاع المصالح لا يسمح إلا بالإجابة النسبية, فأنت ستقرر استعمال الآلات المتطورة جدا إذا ما كان لديك مصلحة تقضي بأن يتقدم مجتمعك اقتصاديا من طريق إحلال آلة جديدة محل عشرات الأيدي العاملة, أي من طريق تنمية البطالة; وأنت ستقرر استعمال آلة أقل تطورا إذا ما كان لديك مصلحة تقضي بأن يتقدم مجتمعك اقتصاديا من طريق تشغيل مزيد من جيش العاطلين عن العمل.

والآن, تجول في أسواقنا, وفي تلك الخاصة بالسلع والمواد الاستهلاكية الأساسية (الشعبية) على وجه الخصوص, لتقف بنفسك عن كثب على معاني التنمية الاقتصادية, والتقدم الاقتصادي, والمؤشرات.

إنك لن تقف على شيء من معاني التقدم الاقتصادي إذا ما كان مقياسك, الذي هو وليد المصلحة الشعبية العامة, هو كمية وجودة السلع التي يحصل عليها المواطن العادي, يوميا, أو شهريا, أو سنويا.

إذا كانت الغاية الكبرى الكامنة في كل ما عرفناه (وعانيناه) من خطط التنمية الاقتصادية هي هذا الإفقار الاستهلاكي المتعاظم للغالبية العظمى من المواطنين (المستهلِكين المستهلَكين) فإننا لن نختلف مع أصحاب تلك الخطط في أنها نجحت, ونجحت نجاحا منقطع النظير!

عن سوء, أو عن حسن, نية, نتوفر دائما على قياس بعض من تقدمنا الاقتصادي بوفرة المال الاستهلاكي, أي المال الذي في أيدي المتسوقين من أجل الشراء, والذي يضخِّم حجم الطلب العام.

ويطيب لناشري أوهام الازدهار الاقتصادي أن يصوروا زيادة الإنفاق الاستهلاكي (وقسم كبير منه يأتي من مغتربين, ومن غير المواطنين) على أنه معنى جلي وواضح من معاني هذا الازدهار.

كان ممكنا أن يكون كذلك لو لم يكن اقتصادنا يعاني تشويها بنيويا, يتسبب دائما بجعل تلك الوفرة في المال الاستهلاكي طريقا إلى الإفقار الاستهلاكي للغالبية العظمى من المواطنين.

المال المستعمل في شراء السلع والمواد الاستهلاكية الأساسية (وفي شراء كل سلعة) ليس منتجا, أو مولدا, لثروة حقيقية, مهما كان حجمه ومقداره. إنه لا يعدو كونه الوسيلة لتحقيق قيم البضائع, أي لجعل قيمة البضاعة حقيقة واقعة.

ونحن لو تصورنا مجتمعنا على أنه مؤلف من طرفين اثنين, أحدهما ذوو الأجور والرواتب, التي ترمز إلى قيم البضائع التي يملكون, أي إلى قيم قوى عملهم, وثانيهما هو فئة التجار الذين يسعون في تبادل البضائع مع الطرف الأول, لسهل علينا كثيرا أن نكتشف ونستنتج أن التبادل الأقرب إلى السرقة هو القانون الذي يحكم تبادل البضائع بين الطرفين, فالطرف الأول يبادل ما يملك من بضائع بما يقل عن قيمها الحقيقية في استمرار.

وهذا الفساد الاقتصادي البنيوي هو ما نراه في ظاهرتين متلازمتين: ظاهرة الانهيار المتسارع والمتعاظم في القوة الشرائية الحقيقية للأجر أو الراتب, وظاهرة الربح الاحتكاري الوحشي.

وكل زيادة (ورقية) في الأجر أو الراتب لا تأتي إلا لتظهر وتؤكد ما أصبح في منزلة القانون, وهو أن الأجر أو الراتب الجديد يقل, في استمرار, ولجهة قوته الشرائية الحقيقية, عن الأجر أو الراتب القديم, فدينارنا الأقدم هو دائما الأقوى!

إنهم ثلاثة أطراف يتضافرون على جعل الوفرة المالية الاستهلاكية طريقا إلى إنتاج مزيد من البؤس الاقتصادي والمعيشي للغالبية العظمى من المواطنين, ولذوي الأجور والرواتب (أو ذوي الدخل المحدود) على وجه الخصوص.

وهؤلاء الأطراف الثلاثة هم: زمرة العائلات التجارية الاحتكارية الكبرى, ودولة الضرائب, التي مسخت وشوهت معنى الضريبة, والعمالة الأجنبية.

إذا أنت احتكرت مادة غذائية أساسية, إنتاجا واستيرادا وبيعا, فإن كل زيادة (متأتية من الداخل أو الخارج) في إنفاق المال الاستهلاكي لن تؤدي إلا إلى التوحش في غلاء سعر هذه المادة, وفي أرباح محتكرها, وفي سرقة مزيد من القيمة الحقيقية للأجر أو الراتب, والتي هي (أي هذه السرقة) المرادف لإضعاف وتدمير القوة الشرائية الحقيقية للأجر أو الراتب.

وإذا كنت أنت هذا المحتكر فإنك ستفضل أكثر تشغيل وتوظيف العامل الأجنبي على العامل الذي من أبناء جلدتك; لأن لديه من ضآلة وقلة الحقوق (الاقتصادية والإنسانية..) ما يسمح لك بزيادة الربح, حجما ومعدلا.

وإذا كنت أنت هذا المحتكر, الذي أنعم عليك هذا التشوه البنيوي للاقتصاد بما أنعم, فإن الدولة, المفرطة في حبها لجباية ضرائب ما عادت بالضرائب, ستدق بابك طالبة حقها المعلوم في دخلك الاحتكاري الوحشي.

أموال كثيرة تأتي إلينا, زيارة أو سياحة أو إقامة, بعضها نظيف, وبعضها يحتاج إلى التنظيف والغسل; أما العاقبة الحتمية (لاجتماع أسبابها في هذا الفساد البنيوي لاقتصادنا) فهي التوسع والتعمق في الإفقار الاستهلاكي للغالبية العظمى من مواطنينا; وهذا الإفقار المتسع المتعمق إنما هو, والحق يقال, مرادف السرقة; لأن اللا تكافؤ في تبادل البضائع بين المواطنين العاديين وزمرة التجار الاحتكاريين يزداد ويتعمق في استمرار.

حتى اجتذاب القطع النادر, الذي يملكه أجانب, إلى اقتصادنا لا يعود بالنفع والفائدة على ذوي الأجور والرواتب من مواطنينا; بل إنه يتسبب في النيل من القوة الشرائية الحقيقية لأجورهم ورواتبهم.

ويتأكد هذا على نحو جلي في الخصخصة, أي في بيع منشآت ومؤسسات اقتصادية عامة لمستثمرين أجانب, فهذا البيع لا يستفيد منه إلا البائع, وهو الدولة, في معناها الضيق, ويعود على المواطنين العاديين بمزيد من الفقر الاقتصادي; ثم أن هذا البيع يفتقر إلى الشرعية; لأن المبيع ليس بالشيء الذي يملك البائع الحق في بيعه, فالمجتمع هو وحده المالك الشرعي له; ولا يحق, لـ "المدير", بالتالي, بيع ما يدير مما لا يملك!

والتشوه الاقتصادي البنيوي يتأكد, أيضا, في ظاهرة الهجرة للقطع النادر الذي يملكه مواطنون غير عاديين, فهؤلاء يحوِّلون, في استمرار, جزءا كبيرا, ومتزايدا, من ثرواتهم إلى قطع نادر (دولار على وجه الخصوص) يستثمرونه في الخارج, وفي عواصم الكوارث الاقتصادية والمالية العالمية, فـ "الحَلْب" هنا, والحليب هناك, ولـ "هناك"!

إن التاجر والجابي والعامل الأجنبي (الرخيص أجرة وحقوقا) هم الذين يؤلفون معا مثلث الفساد الاقتصادي البنيوي. إنهم نتاج له, وسبب له في الوقت نفسه!

< السابق   التالي >